محمد أبو زهرة
24
زهرة التفاسير
عليهم في رأى ، ومنهم من قام على الحق المبين ، أو يستمد قوته من أثر عن النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يتجافى عن النص القرآني في ظاهره ونصه ، فإن جافاه حذفناه ، ونظرنا في ذلك هو نظر شيخ الفقهاء أبي حنيفة النعمان فهو لا يقدم أثرا على نص قرآني ظاهر الدلالة أو هو نص فيه . ولا نتهجم بذلك على حديث لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فهو الحكمة كلها كما قال ذلك الإمام الشافعي ، فقد فسر الحكمة في قوله تعالى : وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ . . . ( 151 ) [ البقرة ] بأن الحكمة هي سنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا رددنا منها ما يخالف القرآن فنحن نرد ما يجعلها فوق القرآن ، وبالأحرى يكون ذلك تمحيصا للسنة ، وتبيينا لصحيحها من سقيمها ، إن عبارات القرآن التي هي نص في دلالتها ، ومعانيها ، فيها تنزيه لرسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتنزيه للبعث المحمدي ، فإنما ندفع الريب عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولا نتهجم عليه ولا على حكمته ، كتلك الآثار التي توهم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سحر ، وكتلك الأخبار الكاذبة التي تقول إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قال عن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى . إنا نرد هذا وأشباهه تنزيها للرسالة المحمدية الإلهية ، مهما يكن راويها من الثقة ، ونعدها عليه ، وليس بمنزه عن الخطأ والنسيان ، ودخول الغلط عليه ، وأخشى أن أقول إن من يعتقد ذلك يكون كأهل الجاهلية الذين قالوا : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ( 47 ) [ الإسراء ] فليبحثوا عن موقفهم كمسلمين مؤمنين ؛ وذلك لأنهم آثروا راويا على القرآن وعلى الرسالة المحمدية كلها ، إذ جعلوا الشك يرد على بيانها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . وإذا كنا قد رددنا بعض ما ينسب للرسول صلى اللّه عليه وسلم فنحن نعد المفسر الأول للقرآن هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فهو المفسر لأحكامه المبين لحقائقه ، كما قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) [ النحل ] ولا نتصور أن نجد بيانا يفوق بيان النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه يفصل مجمله ، ويبين ما يعلو على مدارك الناس ، وإن كان في ذاته مبيّنا ، ولا يصح أن نفتات على الإسلام فنرد قولا صح عن رسول